الحاج أمين الحسيني المروج لدعوة زمن الحرب

التعاون مع المحور

خلال الحرب، وجد النظام النازي كثيرًا من المساعدين له المستعدين في مختلف أنحاء العالم، الذين سعوا إلى تحقيق أهدافهم السياسية وبسط نفوذ المحور. وهناك مجموعة كبيرة من القادة السياسيين المنفيين- سوبهاس تشاندرا بوس الوطني الهندي، وفوزي القاوقجي المناضل السوري، ورئيس الوزراء العراقي الأسبق رشيد علي الكيلاني، والإمام الأكبر مفتي القدس الحاج أمين الحسيني (المناضل العربي والزعيم الديني المسلم البارز)- هربوا إلى برلين وناشدوا أوطانهم وحثوهم على إثارة الإضرابات والتخريب والتمرد ضد الحلفاء. في المنفى في أوروبا 1941-1945، احتل الحسيني مكانة بارزة كونه زعيم العرب والمسلمين ضد اليهود.

ودون أي أساس مؤسسي يمنحه سلطة على البلدان العربية في الشرق الأوسط، سعى الحسيني إلى الحصول على اعتراف دول المحور علنًا بمكانته كقائد للأمة العربية المقترحة. سعى أيضًا إلى الحصول على موافقة عامة من دول المحور على إنشاء دولة عربية مستقلة أو اتحاد "لاستبعاد" أو "التخلص من" الوطن اليهودي المقترح في فلسطين. وطلب هذه الموافقة كشرط كي لا تقع انتفاضة عامة منتظرة في العالم العربي. الألمان- وهتلر على وجه الخصوص- رفضوا مرارًا طلب الحسيني للشرعية. وتررد الألمان في الدخول في منازعات لا داعي لها مع إيطاليا أو فرنسا الفيشية، فقد انتابتهم شكوك حول مدى السلطة الفعلية للحسيني في العالم العربي ولديهم تحفظات حول الإدلاء بتصريحات طويلة الأجل حول مناطق العالم البعيدة عن السلاح الألماني. وعندما استقبل هتلر الحسيني في 28 نوفمبر 1941، تناولت الصحافة الألمانية هذا اللقاء، أبدى هتلر تعاطفه ولكنه امتنع عن إعطاء الحسيني إعلانًا عامًا بالتأييد الذي طلبه الحسيني. وعلى الرغم من تردد هتلر، ظل الحسيني يتعامل مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية بعدة طرق. فقد بث الحسيني عبر الراديو إلى العالم العربي والمجتمعات الإسلامية الخاضعة لسيطرة أو نفوذ الألمان حملات دعائية معادية لدول الحلفاء واليهود. وسعى إلى إثارة المسلمين ودفعهم إلى الانضمام إلى جيش المحور أو الوحدات المساعدة. وحتى بعد أن أدرك أن الألمان لن يُقدموا له ما طلبه وعزموا على الاستعانة بمجندين مسلمين دون النظر إلى مشورته، ظل الحسيني يعمل مع كلٍ من إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية حتى عام 1945. قدم الألمان مأوى وتمويلاً للحسيني واستغلوه كلما بدا لهم ورقة رابحة، ولكنهم رفضوا إبداء أي التزامات حول مستقبل العالم العربي أو حول مكانته في هذا العالم. ووفر الألمان للحسيني مستوى معيشيًا مريحًا، يصل إلى درجة البذخ. أقام الحسيني في فيلا في برلين-زيلندورف واستخدمها أيضًا كمكتب له، وتلقى راتبًا شهريًا سخيًا للنفقات المتعلقة بسياساته وتسليته.

في أبريل 1942، كتب كلٌ من الحسيني والكيلاني خطابات مشتركة إلى وزير الخارجية الألماني يواكيم فون ريبنتروب ووزير الخارجية الإيطالي الكونت جالياتسو سيانو، طالبين من دول المحور أن تُصدر بيانًا تتعهد فيه بتقديم "جميع المساعدات الممكنة" إلى العالم العربي والاعتراف باستقلال الدول العربية وحقهم في الاتحاد، ورجاءً "باستبعاد فكرة إنشاء وطن لليهود في فلسطين". ورفض هتلر إصدار بيان بدعم الاستقلال العربي. في مايو، أرسل الألمان إلى الحسيني خطابًا ينص على أن "الحكومة الألمانية مستعدة للاعتراف باستقلال الأراضي العربية عندما يفوزون بهذا (الاستقلال)." ولم يتضمن الخطاب- الذي طُلِب من الحسيني الإبقاء عليه سرًا- أي إشارة إلى الحسيني، ولا أي صيغة تُضفي شرعية على مطالبته لتمثيل العالم العربي في ألمانيا أو الشرق الأوسط.

انتقال جيوش المحور إلى العالم العربي

بدت الأحداث العسكرية في صيف عام 1942 أنها فرصة للحسيني، فقد تصور هتلر قبل ثمانية أشهر أن بإمكانه "إطلاق العنان لعمل عربي كان قد أعد له سرًا". وفي أواخر صيف عام 1942، تدفقت جيوش المحور إلى مصر واخترقت الممرات الشمالية من جبال القوقاز. ومع ذلك، توقع الألمان إمكانية التوجه عبر القوقاز إلى إيران والعراق، وأيد الألمان الكيلاني والعراق كمكان لتجمع العساكر لإطلاق تمرد عربي هائل. وفي 17 يوليو، قدم الحسيني اقتراحًا إلى سيانو ورؤساء الاستخبارات العسكرية الألمانية والإيطالية إنشاء مركز في مصر لتنسيق جميع جوانب التعاون بين المحور و "الأمة العربية". على أن يتولى هذا المركز العمليات الدعائية عبر الراديو والمنشورات والكتيبات. ومن المنتظر أيضًا إنشاء وحدات حزبية عربية لإجراء أعمال التخريب والتحريض على انتفاضات من وراء بريطانيا، وإنشاء وحدات عسكرية عربية تقاتل "كتفًا الى كتف" مع قوات المحور. وأصر الحسيني أن الوحدات العربية ترتدي زيًا عربيًا موحدًا، وتخضع لقيادة ضباط عرب، ويتحدثون العربية باعتبارها لغة الأوامر. ومرة أخرى، رفض الألمان: وأشار هتلر أنه "لا يرغب في شيء من العرب". في أواخر سبتمبر 1942، اقترح الحسيني تأسيس مركز يشمل جميع البلدان العربية في تونس من شأنه: 1) تعزيز الروابط مع الدول العربية في فرنسا وشمال إفريقيا، 2) شحن الأسلحة والعملاء والمعدات والأموال لتعزيز المقاومة الإسلامية في حالة دخول دول الحلفاء، 3) تجنيد وتدريب الجنود العرب الذين سيقفون مستعدين للدفاع عن شمال إفريقيا "ضد أي تهديد من الحلفاء والبلشفية واليهودية."

في 8 نوفمبر 1942، دخلت القوات البريطانية والأمريكية البالغ عددها 63.000 جندي إلى المغرب والجزائر ضمن عملية الشعلة. وبعد عشرة أيام، طرح الحسيني مرة أخرى اقتراحه بإنشاء مركز يشمل جميع البلدان العربية يخدم جميع الأغراض في تونس، وأصر أن جدواه تعتمد على إصدار المحور بيانًا بدعم الدول العربية وشمال إفريقيا. ولم يهتم بالأمر الألمان ولا الإيطاليون. وعلى الرغم من الضجة الإعلامية التي بثها العرب المهاجرون عبر الإذاعة في اليونان وإيطاليا، لم تحدث انتفاضة كبيرة بين البحر الأبيض المتوسط والخليج الفارسي خلال 1942. وفي 13 مايو 1943، استسلمت قوات المحور في شمال إفريقيا.

الجهود الدعائية التي أطقلها الحسيني وقت الحرب

على مدار الحرب، عملت أنظمة المحور على بث رسائل يومية دعائية في أكثر من اثنتي عشرة لغة عبر أجهزة الإرسال القوية في برلين وباري ولوكسمبورغ وباريس وأثينا. وبعض الشخصيات، مثل الأمريكي الجنسية وليام جويس (لورد هاو هاو-) وشاعر الحداثة عزرا باوند، اكتسبوا سمعة سيئة وجماهرية واسعة بفضل خطبهم الاستفزازية. ومن آسيا إلى الأمريكتين، قذفت إذاعة المحور مستمعيها بخطب معادية للسامية وللدول الحلفاء، على أمل تشجيع الإنعزالية في بلدان محايدة والانهزامية على أراضي العدو وإحداث اضطرابات في الأراضي التي يحتلها الحلفاء. وإلى جانب المذيعين العرب، أذاع الحسيني من برلين إلى الشرق الأوسط تأييده لدول المحور ومعاداته لبريطانيا واليهود. وخلال البث الإذاعي، دعا الحسيني إلى ثورة عربية ضد بريطانيا العظمى وتدمير المستعمرات اليهودية في فلسطين.

وفي كثير من الأحيان، تحدث الحسيني عن "مؤامرة يهودية عالمية" تسيطر على الحكومتين البريطانية والأمريكية، وتؤيد الشيوعية السوفيتية. وأضاف أن "يهود العالم" هدفهم التسلل إلى فلسطين وإخضاعها- التي تعد مركزًا دينيًا وثقافيًا مقدسًا في العالم العربي والإسلامي- واعتبارها نقطة انطلاق للاستيلاء على جميع الأراضي العربية. وفي إطار رؤيته للعالم، يقول الحسيني إن اليهود هدفهم استعباد العالم العربي واستغلاله، والاستيلاء على أراضيه، ومصادرة ثرواته، وتقويض دينهم الإسلامي، وإفساد النسيج الأخلاقي للمجتمع. ووصف اليهود أنهم أعداء الإسلام، واستخدم المصطلحات العنصرية لتصوير اليهود والسلوكيات اليهودية، وتحديدًا عندما شكَّل علاقة أوثق مع فرقة الحماية عام 1943 و1944. ووصف اليهود أن لديهم صفات وسلوكيات غير قابلة للتغيير. في بعض الأحيان، شبه اليهودية بالأمراض المعدية، واليهود بالجراثيم والبكتريا. وفي خطاب واحد منسوب إليه، دعا إلى قتل اليهود أينما وجدهم العرب. ودافع باستمرار عن "استبعاد" الوطن اليهودي من فلسطين، وفي بعض الأحيان حث على إخراج كل يهودي من فلسطين والأراضي العربية الأخرى.

ووصف الحسيني البريطانيين كوسطاء لليهود. وقال إنه لن يغفر لهم أبدًا وعد بلفور، وخطة التقسيم أو حتى الوثيقة البيضاء، واتهمهم بخيانة المصالح العربية بعد الحرب العالمية الأولى. وحذر العرب أن وعود بريطانيا (والولايات المتحدة الأمريكية) بحق تقرير المصير في الحرب العالمية الثانية هي وعود مخادعة. واستشهادًا على ذلك، الانتهاكات البريطانية في العراق وسوريا والانتهاكات الأنجلو أمريكية في شمال إفريقيا. وعزا تصرفات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى التأثير الطاغي لليهود.

وأكد الحسيني في خطاباته وكتاباته على المصالح المشتركة لألمانيا وإيطاليا مع العرب والمسلمين. وكانت ألمانيا النازية الحليف الطبيعي للعالم العربي والإسلامي. ليس لأنها لم تفرض أي حكم استعماري على دولة عربية، ولكن لأن ألمانيا والعالم العربي يواجهون نفس الأعداء: اليهود وبريطانيا العظمى والاتحاد السوفيتي. وأشار الحسيني أن ألمانيا وحدها أدركت مدى الخطر الذي تفرضه "المشكلة اليهودية" على العالم، واتخذت خطوات لحلها عالميًا.

وكان حلم الحسيني مؤسسة عربية واسعة واتحادًا تابعًا له يظهر كقوة عظمى قادرة على الدفاع عن العرب والدين الإسلامي من استغلال القوى الاستعمارية ومن تسلل اليهود واستعبادهم. وتصور فلسطين كحلقة وصل مركزية تربط بين مختلف الأراضي العربية. عند غياب تأثير القوى الاستعمارية واليهود، من المتوقع أن يزدهر الاتحاد العربي الذي يرأسه الحسيني من الناحية الاقتصادية والثقافية والروحانية، حيث يستعيد ضمن سياقه الحديث قوة القرون الوسطى وروعة العالم الإسلامي. وتوقع الحسيني أن الأمة العربية لديها علاقات وثيقة مع المسلمين في بلدان أخرى: إيران، والهند، والمجتمعات المسلمة في الاتحاد السوفياتي.

في 18 ديسمبر 1942، فتح المهاجرون العرب "معهدًا إسلاميًا وسطيًا" في برلين؛ حيث كان الحسيني الراعي الأول له والمتحدث الرئيسي عنه. في كلمته، انتقد الحسيني اليهود، مشيرًا أن القرآن حَكَم على اليهود "أنهم أشد عداوة للمسلمين". وتوقع أن اليهود "هم دائمًا العنصر المخرب على الأرض ويميلون إلى التآمر وإثارة الحروب وإثارة الفتنة بين الدول". أصر الحسيني أن اليهود بسطوا نفوذهم وسيطرتهم على بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية و"الشيوعيين الملحدين". وفي ظل مساعدتهم ودعمهم، أكد الحسيني أن "يهود العالم" أشعلوا الحرب العالمية الثانية. ودعا المسلمين إلى تقديم التضحيات اللازمة لتحرير أنفسهم من اضطهاد وقمع أعدائهم. وقدم مروجو النازية تغطية ضخمة لتصريحات الحسيني عند افتتاح "المعهد الوسطي الإسلامي". وصورت وكالة الأنباء الألمانية تصريحاته الاستهلالية ونشرت الصحافة هجومه على اليهود. وفي 23 ديسمبر 1942، بثت وزارة الخارجية الألمانية لمنطقة الشرق الأوسط كلمته خلال نشرة الأخبار اليومية باللغة العربية.

وفي منتصف عام 1944، وافق الحسيني على العمل في اللجنة المنظمة للمؤتمر الدولي المعادي لليهود وإلقاء كلمة فيه، وهو المؤتمر الذي خطط له ألفريد روزنبرج وزير الرايخ في الأقاليم الشرقية المحتلة ورئيس المكتب الثقافي للحزب النازي. وكان الغرض من المؤتمر أن يُظِهر المتحدثون المعاديون لليهود أن الحلفاء يخوضون الحرب العالمية الثانية نيابةً عن اليهود، والغرض أيضًا من المؤتمر إقامة ورش عمل دولية للمتابعة بهدف وضع استراتيجيات بحثية "لمكافحة اليهود". ومع أن المؤتمر كان مقررًا عقده في 11 يوليو 1944 في كراكوف، اضطر الألمان إلى إلغاء المؤتمر عند انهيار مركز مجموعة الجيوش الوسطى الألمانية على الجبهة الشرقية بعد 22 يونيو 1944.

الجهود الرامية إلى منع إنقاذ الأطفال اليهود

وفي ربيع عام 1943، تنامى إلى علم الحسيني وجود مفاوضات بين شركاء المحور الألمان وبين بريطانيا وسويسرا والصليب الأحمر الدولي لنقل الآلاف من الأطفال اليهود إلى بر الأمان في فلسطين. سعى الحسيني إلى منع عمليات الإنقاذ مع وجود احتجاجات موجهة إلى الألمان وإيطاليا إلى جانب حكومات المجر ورومانيا وبلغاريا. سعيًا إلى إحباط عمليات الإنقاذ، اقترح الحسيني إرسال الأطفال إلى بولندا حيث سيخضعون هناك "لمراقبة صارمة". وعلى الرغم من تفضيله صراحةً أن يُقتَل الأطفال في بولندا بدلاً من نقلهم إلى فلسطين، لم تُثمر خطاباته شيئًا. إن الحكومات الثلاثة التي تسلمت الخطابات لم تنقل الأطفال إلى بولندا. ومع ذلك، أحبط الألمان عمليات الإنقاذ قبل تدخل الحسيني وبعيدًا عنه.

الجهود الرامية لتجنيد العرب ضمن جيوش المحور

لإضفاء الشرعية على مطالبته بقيادة العالم العربي، سعى الحسيني إلى تنظيم اللاجئين العرب وأعضاء المجتمعات العربية الأوروبية ذوي الأعمار المناسبة لحمل السلاح داخل الوحدات المسلحة وتحت سيطرته. وسيتم نشر هذه الوحدات على الأراضي العربية لزيادة الانتفاضات التي سعى إلى إثارتها، وسيعمل على تشكيل نواة لجيش تابع للبلدان العربية في المستقبل. كل ذلك سيلبي مطالبة الحسيني بأن يكون القائد الأعلى الأصلح لقيادة الأراضي العربية.

من 1941 فصاعدًا، حاول النظام النازي تجنيد الوحدات الأجنبية داخل أوروبا وخارجها للقتال إلى جانب الجيش الألماني ضد الحلفاء. لعبت الحملات الدعائية المؤيدة للألمان على المشاعر المعادية للشيوعية، لكسب دعم "الصليب الأحمر" لإنقاذ الحضارة الغربية من "اليهودية البلشفية" و"تحرير" شعوب الاتحاد السوفياتي وإدانة الاستعمار البريطاني والأمريكي واليهودي البلوتوقراطي. وكجزء من حملة التجنيد تلك، بحلول عام 1945 انضم حوالي 500.000 من غير الألمان إلى إدارات فافن إس إس. وبعد شهر من انهيار الانقلاب العراقي في يوليو 1941، أنشأت وكالة الدفاع الألمانية إدارة تدريب ألمانية-عربية لتدريب العرب، في الأغلب الطلاب واللاجئين المقيمين في أوروبا كجنود في القوات المسلحة الألمانية. وبعد وصوله إلى ألمانيا في خريف عام 1941، قاد الحسيني المزيد من المجندين إلى إدارة التدريب، بمن فيهم الجنود العربية في المخيمات الإيطالية لأسرى الحرب. كان الحسيني متصورًا الوحدة كجيش عربي تحت قيادة الضباط العرب ومتحدثًا اللغة العربية كلغة تلقي الأوامر، لذا نشأ نزاع بين الحسيني وضباط التدريب الألمان الذين سعوا إلى إنشاء وحدة عمليات خاصة داخل الجيش الألماني. وعلى الرغم أن الحسيني طلب نقل إدارة التدريب إلى شمال إفريقيا عام 1942 دعمًا لمركز عمليات جميع البلدان العربية المقترح في مصر، نقل الألمان الوحدة إلى الستالينية في شرق أوكرانيا يوم 20 أغسطس. وخططوا أن اتجاه المتطوعين العرب نحو الجنوب عبر القوقاز وإيران والاشتباك ضد البريطانيين في العراق. وفي مطلع عام 1943، نقل الألمان إدارة التدريب إلى تونس حيث كان أداؤها محبطًا. في 13 مايو 1943، استسلم الجنود المتبقين لقوات الحلفاء.

وبناءً على أحد الطلبات المقدمة، استضاف المكتب المركزي للأمن الرايخ أعضاء الوفد المرافق للحسيني والكيلاني لجولة مفصلة لا جدوى منها داخل معسكر الاعتقال أورانينبورغ في أوائل يوليو 1942. ألقى القائد محاضرة أمام العرب حول القيمة "التعليمية" لتجربة المعسكر للسجناء. وتفقد الزوار الأجهزة والمعدات الموجودة في المعسكر التي صنعها السجناء.

وأثناء وجودهم هناك، أعرب العرب عن اهتمامهم بالسجناء اليهود. وفي ربيع عام 1943، تطورت اتصالات الحسيني المهمة المبدئية مع فرقة الحماية باعتبارها مؤسسة. قبل هذا الوقت، كانت الاتصالات المؤسسية الرئيسية له في ألمانيا مع وزارة الخارجية ووكالة الدفاع الألمانية. في 24 مارس 1943،دعا جوتلوب بيرغر رئيس المكتب الرئيسي لفرقة الحماية الحسيني لحضور اجتماع عُقد في إطار التحضير لحملة التجنيد التي تقوم بها فرقة الحماية بين السكان المسلمين في البوسنة. وكان بيرغر متأثرًا للغاية أنه نظم اجتماعًا بين الحسيني وزعيم الرايخ إس إس (رئيس فرقة الحماية) هينريك هيملر في 3 يوليو 1943. أرسل الحسيني إلى هيملر تهنئة بعيد ميلاده في 6 أكتوبر، وأعرب عن أمله أن"العام المقبل من شأنه أن يجعل تعاوننا أوثق ويقربنا من أهدافنا المشتركة".

وعندما قررت فرقة الحماية في فبراير 1943 تجنيد مسلمي البوسنة داخل إدارة جديدة فافن إس إس، استعان بيرغر رئيس المكتب الرئيسي لفرقة الحماية بالحسيني في عملية التجنيد بالبوسنة من 30 مارس وحتى 11 أبريل. وفي 29 أبريل، ذكر بيرغر أن 27.000-24.000 من المجندين قد أشاروا أن "زيارة مفتى القدس كان لها تأثير ناجح جدًا." وأشار الحسيني وفرقة الحماية مرارًا وتكرارًا إلى مدى النجاح الذي حققته الفرقة الجبلية الـ 13 فافن إس إس. تحدث الحسيني إلى أئمة تلك الفرقة، مشددًا على أهمية الحفاظ على المبادئ الإسلامية و"تعزيز التعاون بين المسلمين وحليفهم ألمانيا،" ومشيرًا إلى الأعداء المشتركين الذين يواجههم المسلمون والألمان: يهود العالم وإنجلترا وحلفائها والبلشفية. ومع ذلك، كانت الوحدة غير فعالة بشكلٍ عام ولم تتمكن من الانتشار خارج البوسنة للاستفادة من السلطات الكرواتية غير الفعالة، وتولت الوحدة الواجبات الإدارية ومهام الدفاع عن النفس في المجتمعات الإسلامية في شمال شرق البوسنة. عندما أجبرت الأحداث العسكرية في البلقان إخلاء ألمانيا للمنطقة في أكتوبر عام 1944، تم تهجير قرابة 3.000 جندي تابعين للفرقة الـ 13 وتمرد الباقون؛ مما اضطر هيملر إلى حل الفرقة بعد ثمانية أشهر من انتشارها المبدئي. ولم تشارك الفرقة الجبلية فافن إس إس الـ 13 في ترحيل اليهود، سواء في البوسنة أو في المجر. وخلال انتشار الفرقة في البوسنة من فبراير حتى أكتوبر 1944، لا يمكن استبعاد احتمالية اشتراك أفراد وحدة هاندشار في أسر اليهود الموجودين في المخبأ أو المقبوض عليهم باعتبارهم محاربين وقتلهم. ومع ذلك، لا يمكن توثيق هذا التدخل.

وفي محاولة لجذب الإعانات من وزارة الخارجية وفرقة الحماية، أعد الحسيني شبكات استخباراتية في تركيا وحافظ على جهات الاتصال في فلسطين وسوريا ودبر لعمليات تخريبية. وعلى الرغم من إتاحة التمويل حتى قرابة نهاية الحرب، من الصعب الحكم إذا كان استخدام التمويل قدم قيمة كبيرة للنظام النازي بغض النظر عن دعم التمويل لاتصالات الحسيني. خلال عام 1944، أجرت كلٌ من وكالة الدفاع الألمانية وجهاز الأمن التابع لفرقة الحماية عددًا من بعثات قوات خاصة إلى الشرق الأوسط. وتضمنت إحدى البعثات قوات خاصة مختلطة ألمان وعرب من خمسة أفراد؛ حيث دفعتهم قوات الأمن إلى وادي الأردن مع الأسلحة والمتفجرات والمعاجم العربية الألمانية في أوائل أكتوبر 1944 وعندما أسرتهم القوات الإنجليزية قبل أن يتمكنوا من القيام بأي ضرر، قالوا أثناء التحقيق معهم إن الحسيني قد تحدث مع كل منهم شخصيًا قبل المغادرة وقارن بين الإسلام والاشتراكية القومية ووعدهم أن النضال العربي في فلسطين سيساعد ألمانيا النازية.

وبعد أن علم أن القوات البريطانية أنشأت فيلقًا يهوديًا فلسطينيًا، اقترح الحسيني على هيملر في 3 أكتوبر 1944، أن تعلن ألمانيا النازية إنشاء جيش عربي مسلم من شأنه "إفشال الخطة اليهودية-الإنجليزية" والمشاركة في النضال المشترك بجانب الرايخ الألماني. أصدرت وزارة الخارجية بيانًا في ذكرى وعد بلفور في 2 نوفمبر، ولكنها لم تستشر الحسيني في النص. اشتكى الحسيني إلى ريبنتروب أن البيان كان "غير مناسب"؛ حيث تم حذف كلمة مسلم، ولم توجد أي إشارة إلى تأييد ألمانيا للجيش المقترح. يعد البيان تتويجًا ناجحًا لسياسة الحسيني؛ حيث أشار البيان ضمنًا إلى الاستقلال العربي والوحدة.

أنشطة الحسيني بعد الحرب
في 7 مايو 1945، يوم استسلام ألمانيا، طار الحسيني إلى برن، سويسرا. نفت السلطات السويسرية مناشدته للحصول على اللجوء، واحتجزته، وسلمته الى سلطات الحدود الفرنسية. ووضعت السلطات الفرنسية الحسيني تحت الإقامة الجبرية في فيلا بالقرب من باريس. وعلى الرغم من رغبة بريطانيا في بادئ الأمر في احتجاز الحسيني، كانت هناك عقبات كبيرة أمام الحصول على إدانة ضده أمام محكمة دولية. إضافة إلى ذلك، رأت بريطانيا وفرنسا- حيث تسعى كل منهما إلى إعادة تأسيس نفوذها في العالم العربي- أنها ستعاني التزامات خطيرة عند احتجاز الحسيني. في أواخر عام 1945، سحبت الحكومة اليوغوسلافية طلب تسليم الحسيني

وفي 29 مايو 1946، هرب الحسيني من السجن الفرنسي وطار إلى مصر ، القاهرة، حاملاً معه جواز سفر باسم معروف الدواليبي. وفي القاهرة، واصل الحسيني معارضته لمطالب الصهيونية بإقامة دولة يهودية في فلسطين. ورفض خطة تقسيم الأمم المتحدة لعام 1947، وإقامة دولة إسرائيل عام 1948 وهو ما كان يسعى ضده طيلة حياته. كرس الحسيني ما تبقى من حياته لدعم القومية الفلسطينية والتحريض ضد دولة إسرائيل. وواصل حملاته الدعائية المعادية للصهيونية واليهودية وإسرائيل. توفي في بيروت، لبنان، في 4 يوليو 1974.